مصافي النفط تحقق أرباحاً استثنائية بفعل الحرب ومخاوف أمن الطاقة

أعادت الأرباح القياسية التي حققتها مصافي النفط بفعل الحرب مع إيران الحياة إلى قطاع كان كثير من المستثمرين قد تخلوا عنه، بعدما أدت اضطرابات الإمدادات إلى ارتفاع هوامش التكرير ومنحت شركات النفط الكبرى عوائد استثنائية، إلا أن التحولات الهيكلية في استهلاك الطاقة قد تحد من استمرار هذا الازدهار على المدى الطويل، بحسب رويترز.
لطالما كان قطاع التكرير الأقل جاذبية داخل صناعة النفط، رغم دوره الأساسي في سلسلة إمدادات الطاقة العالمية. وخلال العقدين الماضيين، قلّصت شركات النفط الغربية الكبرى وجودها في هذا القطاع بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وتقلب الهوامش الربحية وزيادة تكاليف الانبعاثات الكربونية والمنافسة من شركات تكرير مدعومة حكومياً في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وتسارعت هذه الانسحابات خصوصاً في أوروبا خلال أواخر العقد الماضي، مع رهان الحكومات والشركات على أن الانتشار السريع للسيارات الكهربائية سيخفض الطلب على الوقود خلال العقد المقبل، ما يقلل الحاجة إلى استثمارات جديدة في المصافي.
وانخفضت طاقة التكرير المشتركة لدى شركات بي بي وشيفرون وإكسون موبيل وشل وتوتال إنرجيز من 16.4 مليون برميل يومياً عام 2005، أي نحو 22% من إجمالي الطاقة العالمية، إلى 10.4 ملايين برميل يومياً العام الماضي، أي نحو 13% من معالجة النفط الخام عالمياً، وفق حسابات رويترز أوبن إنتريست. وكانت شل الأكثر انسحاباً، إذ خفضت حصتها في المصافي من 40 منشأة إلى سبع فقط خلال الفترة نفسها.
لكن بيئة التكرير تحسنت بشكل كبير خلال العام الماضي، نتيجة تصاعد الصراعات العسكرية في مناطق غنية بالنفط. فقد أدى الصراع مع إيران، إلى جانب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز لأشهر، ما حدّ من وصول المصافي إلى الخام، والهجمات على منشآت تكرير في الشرق الأوسط، إلى دفع هوامش أرباح البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى مستويات قياسية.
وأدى فقدان الخام القادم من الشرق الأوسط إلى خفض معدلات تشغيل المصافي، خصوصاً في آسيا. ورغم امتلاك الصين مخزونات ضخمة من النفط الخام، اختارت تقليص نشاط التكرير بشكل حاد ووقف صادرات الوقود لتعويض الانخفاض الكبير في واردات الخام.
وأزالت هذه الاضطرابات مجتمعة نحو 5 ملايين برميل يومياً، أو ما يقارب 6% من إنتاج التكرير العالمي قبل الحرب، خلال الربع الثاني. وبلغ متوسط تشغيل المصافي عالمياً نحو 78 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ ذروة جائحة كوفيد-19 عام 2020، وفق وكالة الطاقة الدولية.
وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات المتواصلة بالطائرات المسيّرة الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية إلى خفض إنتاج المصافي في روسيا بشكل حاد، ما دفع موسكو إلى حظر صادرات الديزل، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود.
أدى تأثير الحربين على أرباح التكرير إلى منح شركات النفط الكبرى قدرة تسعيرية كبيرة، وشجع المشغلين على تشغيل المصانع بكامل طاقتها. وعملت المصافي الأميركية، التي أصبحت أكبر مورّد للوقود في العالم خلال النزاع، بنسبة تشغيل بلغت 97% خلال الأسبوع المنتهي في 24 تموز، متجاوزة متوسطها التاريخي البالغ نحو 90%.
وارتفع هامش التكرير القياسي لشركة بي بي، وهو مؤشر على أرباح التكرير العالمية، إلى 30 دولاراً للبرميل خلال الربع الثاني، مقارنة بـ17 دولاراً في الربع الأول و12 دولاراً قبل عام. وبلغ متوسط الهامش 42 دولاراً للبرميل حتى الآن في الربع الثالث.
وسجلت إكسون موبيل أرباحاً في قطاع المصب بلغت 5.5 مليارات دولار خلال الربع الثاني، وهي أقوى نتيجة لها منذ عام 2022، مدفوعة بإنتاج قياسي من الديزل. كما ارتفعت أرباح قطاع المصب لدى شيفرون إلى 4.9 مليارات دولار، وهي أعلى مستوياتها خلال هذا العقد.
أما شل فسجلت أرباحاً معدلة بلغت 2.5 مليار دولار في قطاع المنتجات، وهي الأعلى خلال العقد الحالي، بعدما عملت شبكة مصافيها بمعدل تشغيل بلغ 102% خلال الربع. وقال الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجيز باتريك بويان إن أداء قطاع التكرير كان “استثنائياً”.
وتعلن بي بي نتائجها المالية الثلاثاء.
ومن المرجح أن تتراجع معظم العوامل المباشرة التي دعمت هوامش التكرير الحالية، لكن السؤال يبقى حول سرعة حدوث ذلك. وقد يؤدي التوصل إلى حل مستدام للصراع الأميركي الإيراني، يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل واستعادة الصين نشاطها في مجال التكرير، إلى تخفيف الضغوط على أسواق الوقود، إلا أن توقيت ذلك لا يزال غير واضح.
وفي المقابل، لا يمكن إصلاح أضرار الصناعة سريعاً، إذ قد تستغرق إعادة تأهيل عشرات المصافي المتضررة في الشرق الأوسط وروسيا أشهراً أو سنوات، فيما تبقى الطاقة الاحتياطية العالمية في قطاع التكرير عند مستويات محدودة للغاية.
كما توجد عوامل تدعم استمرار الطلب، إذ أعادت الحرب مع إيران المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة إلى الواجهة، ما دفع حكومات عدة إلى توسيع مخزوناتها الإستراتيجية من النفط الخام والوقود المكرر لمواجهة صدمات الإمدادات مستقبلاً.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن المخزونات العالمية من النفط تراجعت بمقدار 5.1 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني، ومن المتوقع أن تنخفض 2.2 مليون برميل يومياً إضافية في الربع الثالث. وقد يستغرق إعادة بناء مخزونات الديزل ووقود الطائرات والبنزين سنوات، ما يخلق طلباً مستمراً على التكرير.
ويتوقع آلان غيلدر، نائب الرئيس الأول لشؤون التكرير في شركة الاستشارات وود ماكنزي، استمرار قوة هوامش التكرير ومعدلات التشغيل حتى نهاية العقد، مدفوعة بنمو الطلب على النفط ومحدودية المشاريع الجديدة.
ورغم الأرباح الكبيرة الحالية، فإنها تخفي هشاشة أعمق في القطاع، إذ جاءت هذه المكاسب نتيجة الحروب وتضرر البنية التحتية ونقص المعروض، وليس بسبب تحسن هيكلي في أساسيات الصناعة.
وتستفيد شركات التكرير حالياً لأن الطاقة الإنتاجية العالمية تراجعت بوتيرة أسرع من تراجع الطلب، لكن هذا الوضع قد لا يستمر طويلاً. إذ بدأت دول عدة تفتقر إلى قدرات تكرير محلية بإعادة تقييم حاجتها إلى بناء منشآت جديدة، كما تدرس أستراليا هذه الخطط، ما قد يؤدي مستقبلاً إلى موجة جديدة من الطاقات الإنتاجية وفائض في المعروض.
وتدرك شركات النفط الكبرى هذه الحقيقة، إذ إن سنوات قليلة من الهوامش الاستثنائية قد تبطئ تراجع قطاع التكرير، لكنها على الأرجح لن تعكس مساره طويل الأمد، بحسب رويترز.




