Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

كيف أصبح للحرف المشبّه بالفعل "إنَّ" فعلٌ؟ في الأمر "إنَّ"! (سلسلة "من هنا... وهناك) بقلم وليد حسين الخطيب

وليد حسين الخطيب
21 أغسطس 2026 | 04:28 ص
صورة مقال وليد في الأمر إنّ

يبدو أن النحو العربي لم يكن يومًا مجرّد قواعد تُحفظ في دفاتر المدارس، ولا "إنَّ وأخواتها" مجرد أدوات تنصب تدخل على المبتدإ والخبر فتنصب الأوّل اسمًا لها وتبقي الثاني مرفوعًا خبرًا لها. فأحيانًا يكون الحرف "إنَّ" أذكى من جميع أجهزة المخابرات، وأشدّ فتكًا من سيف بتّار، وأقدر على إنقاذ إنسان من مؤامرة تُحاك حول عنقه!

تقول الحكاية أن أميرًا اسمه علي بن منقذ كان يعيش في حلب، وكان ذكيًّا شجاعًا محبوبًا، وهي صفات، كما نعرف، كافية في بعض الأزمنة لإثارة حساسية الحاكم وحاشيته! فقد نجح بعض الحاقدين في إفساد العلاقة بين الأمير وحاكم حلب تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس، فشعر علي بأن نهايته اقتربت، وفرّ إلى دمشق. وكان حدسه في مكانه؛ فالحاكم كان فعلًا يريد قتله. وبعد فراره، فكّر في كيفية إعادته إلى حلب!

هنا بدأت المؤامرة. أمر الحاكم كاتبه أن يرسل إلى الأمير رسالة يطمئنه فيها ويدعوه إلى العودة. وكان الكاتب يعرف أن العودة تعني الموت، ويعرف أيضًا أن كلمة واحدة زائدة منه قد تكلّفه حياته. فكتب الرسالة كما أُمليت عليه، لكنه دسّ في خاتمتها إشارة لا تكاد تُرى، حيث كتب "إنَّ شاء الله" بتشديد النون، بدلًا من الصيغة المعتادة "إنْ شاء الله".

وصلت الرسالة، فتوقّف الأمير عند تلك "النون" الصغيرة. فالكاتب ليس من الذين يخطئون في عبارة كهذه! وبعد التفكير، فهم الرسالة المخبأة: "إنَّ" هي إنَّ الواردة في الآية الكريمة: "إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك".

فهم الأمير اللعبة، ولم يعد إلى حلب. لكن بقي عليه أن يطمئن الكاتب إلى أنه فهم التحذير، من دون أن يفضحهما. فأرسل إلى الحاكم رسالة شكر، وختمها بعبارة "إنَّ الخادمَ يمتثل لأمر المولى"، ففهم الكاتب قول الأمير وهو ما ورد في الآية الكريمة: "إنَّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها".

وهكذا تبادل الرجلان رسالة سرية كاملة... بحرف واحد!

يا لها من مفارقة، مؤامرة سياسية ضخمة، وحاكم يريد قتل أمير، وكاتب يخاطر بحياته، وأمير يفكر في نجاته... وفي النهاية كانت "إنَّ" الصغيرة هي التي أفشلت المؤامرة الكبيرة.

يبدو أن ثمّة حكامًا يحتاجون دائمًا إلى جيوش لحماية سلطانهم، بينما ثمّة كتّاب يحتاجون إلى نحوٍ جيد ولغة جيدة فقط، ونونٍ مشدّدة في المكان المناسب!

أما "إنَّ" فخرجت من الحكاية مرفوعة الرأس... وإن كان عملها، نحويًّا، النصب دائمًا!